Follow @twitterapi
الرسائل الشافية في المسائل الخلافية. مسألة رفع اليدين في الصلاة (1)

الموضوع : الرسائل الشافية في المسائل الخلافية. مسألة رفع اليدين في الصلاة (1)

القسم : جحد الإباضية لصحيح السنة النبوية |   الزوار  : 8179

 

باسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على رسوله النبي المصطفى و على آله و أصحابه أجمعين



الرسائل الشافية في المسائل الخلافية؛
مسألة رفع اليدين في الصلاة, القسم الأول:
أدلة القائلين بعدم جواز الرفع في الصلاة إطلاقا.
تمهيـــــــــــد
حسب علمي أن جميع المتمذهبين بالمذاهب السنية الأربعة يرفعون أيديهم في الصلاة , لكن اختلفوا في عدد مراة الرفع فالحنفية يرفعون أيديهم عند تكبيرة الإحرام و لا يزيدون و المالكية أيضا و ربما يرفعون في موضعين أي في تكبيرة الإحرام و عند الرفع من الركوع أما الشافعية و الحنابلة يرفعون في ثلاث مواضع عند تكبيرة الإحرام و عن الركوع و عند الرفع منه , و بعض الشافعية يرفعون في موضع رابع و هو عند القيام من الركعتين.
أما الإباضية فلا يرفعون في أي موضع من المواضع و أظن حتى الشيعة لا يرفعون والله أعلم إلا أنه ثبت عند إمام الزيدية أنه كان يرفع و ليس لي دراية في فقههم و هم بعيدين كل البعد مني فأرجو أن يسامحوني لكن من المتأكد أنهم لا يخرجون من هذه الحالات الأربعة.
و تعد هذه المذاهب الستة هي القديمة و المشهورة و كل مذهب له فقهائه وعلماءه و أئمته و مراجعه و أخص القديمة منها.
لكي نجد الدليل الصحيح والراجح يجب علينا العودة إلى السنة النبوية الطاهرة على صاحبها أزكى الصلاة و السلام ومن المعلوم يجب علينا أن نتحرى السنة الصحيحة و الثابتة عليه صل الله عليه و سلم من حيث دراسة الحديث متنه و سنده و سلامته من أي علة قادحة تسقط الحديث عن مرتبتي الصحيح والحسن.
ثم ندرس تصحيحات علماء الحديث المعتمدين و نتجنب المتساهلين منهم و نقترب أكثر إلى المتشددين منهم دون أن نتجاهل الحكماء منهم لكي نسلم من أخطاء التجريح و التعديل و نسلم من السقوط في فخ العلل قدر الإمكان.
و هنالك قواعد لقبول الحديث أو رفضه وضعها لنا علماء الاختصاص و عرفوها لنا علماء مصطلح الحديث أمثال الخطيب البغدادي و ابن الصلاح و الذهبي و الحافظ العراقي و كذا ابن حجر و غيرهم
و قدم لنا هؤلاء العلماء أنواع علوم الحديث و كيف يتبين لنا الصحيح من الحسن و الحسن من الضعيف و المنكر و الموضوع ففي مقدمة ابن الصلاح المشهورة ذكر لنا 65 نوعا فعرف كل نوع منها و ضرب فيها أمثلة و شرح هذه المقدمة الحافظ العراقي و ابن حجر و غيرهما فبسطوا في شرحهم و فصلوا تفصيلا دقيقا فرحمهم الله أجمعين.

و لأن موضوعنا هو الخلاف بين أهل السنة و الاباضية و الخلاف بين الحنفية و غيرهم أود أن أبين أن الذين يريدون رفض أي حديث استعملوا من بين هذه الأنواع في ردهم للأحاديث خاصة النوع الثامن عشر و النوع التاسع عشر في مقدمة ابن الصلاح " معرفة الحديث المعلل" و " معرفة المضطرب من الحديث " لكن لم يستعملوا هذين النوعين كما عرفه أهل ذلك الفن من المتقدمين منهم و المتأخرين بل خلطوا فيهما اختلاطا عجيبا وتخبطوا و شوشوا على الناس و انحرفوا عن القاعدة الأساسية للحكم على الحديث المعلل أو المضطرب.
و لم يحسنوا استعمال قاعدة تجريح أو تعديل الرواة.
و كذا حكم التدليس و الاختلاط و قاعدة المتابعات و الشواهد.
فلا بأس أن نذكر تعريف ابن الصلاح للنوعين الهامين من الحديث لكي نفهم جيدا:
النوع الثامن عشر‏:‏ معرفة الحديث المعلل:
اعلم‏ أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها،وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، وهي عبارة عن أسباب خفية غامضةقادحة فيه‏.‏ فالحديثالمعللهو‏ الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أنظاهرة السلامة منها‏.‏قال ‏(‏الخطيب أبو بكر‏)‏‏‏: السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمعبين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقانوالضبط‏.اهـ‏
و قد بسط الحافظ ابن حجر شرحه لهذا النوع و غيره في كتابه النكت على كتاب ابن الصلاح فأفاد, و جاء بأمثلة كثيرة تروي الظمآن المتعطش لمعرفة خبايا علم الحديث و رأيت أن أنقل شرحه كاملا لهذا النوع و الذي بعده في رابط آخر فهما من أهم و أدق أنواع الحديث حتى لا يأتي متفيهق فيرد حديثا بدعوى علة أو اضطراب حسب ما يروق له فهمه و هواه.
إنما أذكر هنا فقرة شرحه لتعريف ابن الصلاح للحديث المعلل فقال: قول ابن الصلاح : (( فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منه )) .
قلت ( ابن حجر): وهذا تحرير الكلام الحاكم في (( علوم الحديث )) فإنه قال : (( وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل ، فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفى عليهم علته ، والحجة فيه عندنا العلم والفهم والمعرفة ))
[ متى يسمى الحديث معلولاً " ]

فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلاً معلولاً، ( ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مضعف معلولاً وإنما يسمى معلولاً ) إذا آل أمره إلى شئ من ذلك كونه ظاهر السلامة من ذلك . وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود .
وإذا تقرر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلة كما نقله المصنف عن الخطيب البغدادي أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته . وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة ، فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف وسأوضحه في النوع الذي بعد هذا [ إن شاء الله تعالى ] ( يقصد شرحه للنوع الذي يليه "معرفة المضطرب من الحديث" و سترى الشرح كاملا في الرابط المذكور أسفله) ثم قال ( ابن حجر ) وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً ، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهماً غايصا واطلاعاً حاوياً وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة ، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك ، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك .اهـ
النوع التاسع عشر‏:‏ معرفة المضطرب من الحديث:
قال ابن الصلاح: هو الذيتختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له‏.
‏ وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان، أما إذا ترجحت إحداهمابحيث لا تقاومها الأخرى‏:‏ بأن يكون راويها أحفظ، أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غيرذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب،ولا له حكمه‏.اهـ

وهذا كما قاله جل علماء الحديث حيث لا نقيس اضطراب رواية مع أخرى إلا إذا تساوت في درجة الضبط و الحفظ إذ لا يعقل أن نرد حديث ذا سند عال في درجة العدل و الإتقان من أجل رواية أخرى لا تساوي شيء مع الأولى في الدرجة و نحكم عليهما جميعا بالضعف نظرا لاضطراب في المتنين.‏

و في حالة ما تساوت الروايتان عند درجة العدل والحفظ و الإتقان تجمع طرقها و نحاول أن نوافق بينها إن أمكن و نبحث عن العلة الخفية التي أحدثت هذا الخلل و للمزيد للفهم عليكم بشرح الحافظ.

قال ابن الصلاح: ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يقع ذلكمن راوٍ واحدٍ، وقد يقع بين رواة له جماعة‏.اهـ

و قد بين هؤلاء العلماء أن الروايات إذا ما تباعد ألفاظها إلى حد التضاد هنا يسمى اضطرابا في حالة ما إذا تساوت الروايات من حيث درجة الضبط والإتقان كما بين ذلك ابن الصلاح و الحافظ العراقي و غيرهما أما إن تعددت الألفاظ التي مآلها معنى واحد فلا ضير بشرط أن لا تكون الألفاظ متباعدة جدا في طرق تؤدي إلى سند واحد و إن كان المعنى واحد.

أما الزيادات ففيها حكم آخر كزيادة جزئية فقهية إن ثبتت صحتها فالزيادة مقبولة عند أهل العلم و المثبت لها أولى من النافي.

و كذلك اختصار قصة و بسطها في رواية أخرى حسب مناط تحديث الراوي لها فإني أنصح أن تطلعوا على شرح ابن حجر لهذين النوعين فإن له كلاما نفيس و قد جمع أقوال علماء الحديث من المتقدمين و المتأخرين.

و ليس لنا مبلغ من علم أولئك العلماء الجهابذة المتقدمين منهم و المتأخرين لذا وجب علينا أن نتقيد بعلمهم وتصحيحاتهم و تعليماتهم و لا نعتمد عليهم فحسب لكن نتأكد بأنفسنا عند رجوعنا إلى تراجم رجال السند و أسباب تصحيحهم أو تضعيفهم لأي حديث.


إستدلوا القائلين بعدم مشروعية الرفع بعدة أحاديث و احتجوا بها و دافعوا عنها أشد الدفاع و من أهم المذاهب المدافعة المذهب الإباضي.


لقد طالعت كتبا كثيرة وأغلبها تتفق على أحاديث معينة مع نقدها لكل أحاديث الرفع, بغض النظر هل هم موفقين في نقدهم لأحاديث الرفع أم لا, نستطيع أن نستنتج أن الرفع و الضم عند القوم ممنوع و بدعة و أمر شنيع عندهم بل بعضهم يعتبر أن الذي يرفع يديه في الصلاة لا صلاة له أو ناقصة أو شيئ من العبث و غير ذلك من الأوصاف.
حتى أن الذي اقتنع بأحاديث الرفع يستحي أن يرفع أمامهم و يدعه خشية أن يتكلموا فيه.
و في الآونة الأخيرة بدأت حملة من الدروس و المحاضرات من أئمة الإباضية تحذر الشباب من التساهل في هذه المسالة و تنصحهم أن لا ينخدعوا لدعاة الرفع و الضم, و تجرأ أحدهم عندما قال: إن رفع اليدين حذو فروع الأذنين تشبه تحية النصارى و تحريك الأصبع تشبه تحية اليهود !!!
بل و يدعون إخوانهم المالكية للكف من الرفع و يبينوا لهم أن إمامهم مالك بن أنس لم يكن يرفع و لا أمر به ...
و بعضهم قال أن أحاديث الرفع كلها موضوعة ...
و بعضهم قال لم يصح عندنا الرفع و الضم ولو أنه ثبت عند مخالفينا.
و بعضهم حرموا الصلاة وراء من يرفع و يقبض و إن رأى المأموم الإمام يرفع يعيد صلاته.
و آخرون قالوا لا تنتقض صلاة من فعله و لا تنتقض صلاة المأموم إن فعلها الإمام.
و آخرون قالوا أن الرسول صل الله عليه و سلم فعلها مرة أو مرتين لكشف المنافقين.
و آخرون قالوا بثبوت الأحاديث لكن آثروا عليها رأي إمامهم على حد قولهم.
و آخرون اعترفوا بأنها سنة لا تنقص صلاة من تركها.
و غيرهم جعلها مسالة تمييزية.
و غيرهم قالوا لم يثبت الرفع و الضم عند أئمة الإباضية الأوائل.
و غيرهم قالوا بل ثبت عندهم و الذين من بعدهم تركوه للعلامة بينهم و بين المخالفين.



هذه آراء و أقوال علماء و أئمة كبار ليست أقوال عوام الناس, سأتعرض لبعضهم أثناء بحثي.
قبل هذا نذكر أولا أدلتهم في عدم مشروعية الرفع ثم ندرسها سندا و متنا و شرحا:

الدليل الأول: حديث المسيء صلاته:



(01) روى البخاري عن مسدد قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبيد الله قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: (ارجع فصل، فإنك لم تصل). فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ارجع فصل، فإنك لم تصل). ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره، فعلمني، قال:
(إذا قمت إلى الصلاة فكبر واقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).

ـ مسدد هو ابن مسرهد ثقة حافظ يقال هو أول من صنف مسندا.
ـ يحي بن سعيد القطان لا يحتاج إلى تعريف فهو ثقة ثبت حافظ متقن بلا منازع و متشدد في قبول الروايات
ـ عبيد الله بن عمر ثقة ثبت من الفقهاء السبعة.
ـ سعيد بن أبي سعيد المقبري ثقة.
قال أحمد بن حنبل و يحي بن معين ليس به بأس
قال المديني و أبو زرعة و النسائي ثقة.
و قال أبوحاتم صدوق.
و قال يعقوب بن شيبة و ابن سعد اختلط و كبر و تغير في آخر عمره و كذا قال شعبة.
و قال ابن عدي أرجو أن يكون من اهل الصدق
وقال الذهبي ثقة حجة لكنه شاخ و هرم و لم يختلط
و قال ابن حجر ثقة لكنه تغير في آخر عمره.
ـ أبو سعيد كيسان المقبري ثقة ثبت.

و للبخاري في صحيحه رواية أخرى أدرجها في باب الاستئذان قال فيها:


(02) حدثنا إسحق بن منصور: أخبرنا عبد الله بن نمير: حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه:
أن رجلاً دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل). فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: (وعليك السلام، فارجع فصل، فإنك لم تصل). فقال في الثانية، أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله، فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). وقال أبو أسامة في الأخير: (حتى تستوي قائماً). حدثنا ابن بشار قال: حدثني يحيى، عن عبيد الله: حدثني سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع حتى تطمئن جالساً).

و الرواية الثالثة عند البخاري دائما في باب الايمان و النذور قال فيها:

(03) حدثني إسحق بن منصور: حدثنا أبو أسامة: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة:

أن رجلاً دخل المسجد يصلي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد، فجاء فسلَّم عليه، فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل). فرجع فصلى ثم سلَّم، فقال: (وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل). قال في الثالثة: فأعلمني، قال: (إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).


ـ روى مسلم من رواية الثلاثة و روى الترمذي الحديث عن محمد بن بشار عن يحي القطان.

و رواه أبو داوود عن القعنبي ثنا ابن المثنى عن يحي القطان و فيه زيادة رد الرسول السلام للرجل بصيغة " وعليك السلام" .

و ابن ماجة عن ابن أبي شيبة عن ابن النمير, ورواه إسحاق بن راهويه و ابن أبي شيبة عن أبي أسامة ورواه أيضا الإمام أحمد و الطحاوي و السراج و ابن حبان و البيهقي و غيرهم.

ـ روى مسلم من رواية الثلاثة و روى الترمذي الحديث عن محمد بن بشار عن يحي القطان.

و رواه أبو داوود عن القعنبي ثنا ابن المثنى عن يحي القطان و فيه زيادة رد الرسول السلام للرجل بصيغة " وعليك السلام" .
و ابن ماجة عن ابن أبي شيبة عن ابن النمير, ورواه إسحاق بن راهويه و ابن أبي شيبة عن أبي أسامة ورواه أيضا الإمام أحمد و الطحاوي و السراج و ابن حبان و البيهقي و غيرهم.

ـ الحديث من الروايات الثلاثة متقارب في المتن لكن رواية ابن النمير خالفت الروايتين الأخريين عند قوله بعد السجود الثاني: ثم ارفع حتى تطمئن جالسا فاستدل بها البعض مشروعية جلسة الاستراحة و لقد شرح الحافظ في الفتح هذه المسألة و هذا الاختلاف.
أما في السند خالف يحي القطان أصحاب عبيد الله كلهم فإنهم لم يقولوا عن أبيه, ويحيى القطان حافظ فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين كما قال الدارقطني في العلل و قال الحافظ: قال البزار لم يتابع يحيى عليه ورجح الترمذي رواية يحيى قلت (الحافظ) لكل من الروايتين وجه مرجح أما رواية يحيى فللزيادة من الحفظ وأما الرواية الأخرى فللكثرة ولان سعيدا ( يقصد المقبري) لم يوصف بالتدليس وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين.
و هذه من العلل الخفية التي لا تقدح في السند و لا في المتن و لا تسمى اضطرابا فانظر كيف تعامل معها أئمة علم الحديث الأجلاء و لو استعملنا أسلوب رد الأحاديث بدعوى الركة و الاضطراب لرددنا هذا و الذي بعده خاصة.



و سأذكر حديث رفاعة بن رافع التي كثرت ألفاظه و كثرت الزيادات بين متن و آخر و بين سند و آخر
و أقتصر على ذكر روايتين:



(04) روى النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ أبو يحيى بمكة وهو بصري قال حدثنا أبي قال حدثنا همام قال حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن علي بن يحيى بن خلاد ابن مالك بن رافع بن مالك حدثه عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع

-قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ونحن حوله إذ دخل رجل فأتى القبلة فصلى فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك اذهب فصل فانك لم تصل فذهب فصلى فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرمق صلاته ولا يدري ما يعيب منها فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك اذهب فصل فانك لم تصل فأعادها مرتين أو ثلاثا فقال الرجل يا رسول الله ما عبت من صلاتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله عز وجل ويحمده ويمجده قال همام وسمعته يقول ويحمد الله ويمجده ويكبره قال فكلاهما قد سمعته يقول قال ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه ثم يكبر ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده ثم يستوى قائما حتى يقيم صلبه ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه وقد سمعته يقول جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ويكبر فيرفع حتى يستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته.





ـ عبد الله بن يزيد أبو يحي المقرئ: ثقة فاضل.
ـ إسحاق بن أبي عبد الله بن طلحة: ثقة حجة.
ـ همام بن يحي بن دينار: ثقة.
ـ علي بن يحي بن خلاد بن مالك: ثقة.
ـ يحي بن خلاد: قيل له رؤية.





(05) روى الترمذي عن علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر عن يحيى بن علي عن ابن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي عن جده عن رفاعة بن رافع

- "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد يوما قال رفاعة: ونحن معه. إذ جاءه رجل كالبدوي، فصلى، فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال: وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك، فارجع فصل فإنك لم تصل، فعاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، فقال الرجل في آخر ذلك فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطيء، فقال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد فأقم أيضا، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعا، ثم اعتدل قائما، ثم اسجد فاعتدل ساجدا، ثم اجلس فاطمئن جالسا، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك، قال: وكان هذا أهون عليهم من الأولى أنه من انتقص من ذلك شيئا انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها".


و هناك روايات أخرجها أبو داوود و الدارمي و ابن حبان و ابن خزيمة و غيرهم بألفاظ و أسانيد مختلفة تنتهي إلى رفاعة بن رافع.

بغض النظر عن صحة أسانيده و العلل الواردة في المتون و الأسانيد و حكم المتابعات فإن بعض روايات رفاعة صحيحة لا تسقط بسبب اضطراب روايات أخرى فيها رواة ضعفاء إذ القاعدة تقول: أن الحديث لا يسمى مضطربا ما لم تتوفر شروطه و من بينها عدم تساوي الروايتين من حيث الإتقان و الضبط في المتن و درجة الحفظ و العدل و الاتصال في السند, و الروايات الثلاثة الأولى عن أبي هريرة صحيحة أيضا فقد أخرجها الشيخان و غيره و ذكروها في عدة أبواب نظرا لكثرة الفوائد التي فيها ففيه وجوب الاعتدال في الصلاة و فيه آداب رد السلام و جواز الاقتصار بالنصيحة قبل السلام وغيرها من الفوائد التي شرحها الفقهاء فليس موضوعنا شرح الحديث بكل جوانبه.

أما حكم الزيادات في الروايات الصحيحة ما لم يظهر تضاد أو تصادم يتسنى لنا أن نجمع طرقها لنكمل بعضها بعضا إذ هنالك من يقول أن الروايتين بطرقها الصحيحة كانتا منفصلتين أي وقعتا في مناسبتين مستقلتين و الله أعلم.



حديث المسيء صلاته عولوا عليه في أن الرفع ليس مشروع و لو كان مشروع لأمر رسول الله صل الله عليه و سلم للمسيء صلاته أن يفعله.

و قد كان لي لقاء مع بعض أئمة المذهب و ذكرت مسألة الرفع فاستدلوا بهذا الحديث. لكن قبل أن نطرح رأينا فيه نرى أن كل الأئمة الذين رووا الحديث و الأئمة الحفاظ الذين شرحوه لم يجعلوه حجة لبطلان الرفع و غيره.
لأن معاني الحديث واضحة وضوح الشمس ...

أما ابن حجر فقد فصل في هذا الحديث تفصيلا يثلج الصدر بعد التعليق على أصح الروايات و بيان طرقها وأوجه الاختلاف و الزيادات نقل عن ابن دقيق العيد قائلا:تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعلى عدم وجوب ما لم يذكر أما الوجوب فلتعلق الأمر به وأما عدمه فليس لمجرد كون الأصل عدم الوجوب بل لكون الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل.

وذلك يقتضى انحصار الواجبات فيما ذكر ويتقوى ذلك بكونه صلى الله عليه وسلم ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي وما لم تتعلق به فدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت به الإساءة.

فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه وبالعكس لكن يحتاج أولا إلى جمع طرق هذا الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه والأخذ بالزائد فالزائد ثم إن عارض الوجوب أو عدمه دليل أقوى منه عمل به وإن جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث قدمت. هذا كله كلام ابن دقيق العيد فتعقب الحافظ قائلا:

قلت قد امتثلت ما أشار إليه وجمعت طرقه القوية من رواية أبي هريرة ورفاعة وقد أمليت الزيادات التي اشتملت عليها فمما لم يذكر فيه صريحا من الواجبات المتفق عليها النية والقعود الأخير ومن المختلف فيه التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه والسلام في آخر الصلاة.

قال النووي وهو محمول على أن ذلك كان معلوما عند الرجل و رد عليه الحافظ قائلا: وهذا يحتاج إلى تكملة وهو ثبوت الدليل على إيجاب ما ذكر كما تقدم وفيه بعد ذلك نظر.

قال النووي: وفيه دليل على أن الإقامة والتعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين في الإحرام وغيره ووضع اليمني على اليسرى وتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الركوع والسجود وهيئات الجلوس ووضع اليد على الفخذ ونحو ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب.

و رد عليه الحافظ قائلا: وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق كما تقدم بيانه فيحتاج من لم يقل بوجوبه إلى دليل على عدم وجوبه كما تقدم تقريره, ثم سرد بعض الأمثلة في ذلك.

و قد استدل ابن عبد البر في كتابه التمهيد أن الرسول صل الله عليه و سلم علم الرجل في هذا الحديث الفرائض دون السنن. قلت: و كلام ابن عبد البر كان في جملة ردوده لمن أوجب رفع اليدين في الصلاة. واعتبرابن عبد البر سنة و ليست بفرض من فرائض الصلاة. و هذا لا يعني أن رفع اليدين أمر مخير للصلاة بل هو بمرتبة تكبيرات الانتقال و الأدعية و أذكار الركوع و السجود و قراءة القرآن بعد الفاتحة.

فجل الفقهاء المعتمدين فهموا معنى الحديث فهما منطقيا و بينوا أن رسول الله صل الله عليه و سلم علم الرجل و بين له ما أساء فيه و لم يعلمه كل الواجبات و كما قال ابن حجر و غيره هناك بعض الواجبات و بعض السنن لم يذكرها له و جاء الأمر بها في أحاديث أخرى.
و إذا فهمنا من هذا الحديث أن الرسول صل الله عليه و سلم علمه ما هو واجب لقلنا أن قراءة الفاتحة ليس بواجب بل مخير لقوله صل الله عليه و سلم " و اقرأ ما تيسر من القرآن " في أغلب الروايات و هو واجب و لا التشهد بل هنالك رواية تؤكد الاستواء جالسا عند الرفع من السجدة الثانية, و لا التسليم و لا الذكر عند الركوع و السجود و لا النية و غيرها.
بل كل هذه الأقوال و الأفعال ذكرت في أحاديث أخرى متفرقة عند مناسبات أخرى بين أمر و فعل لغرض الاقتداء شأنها شأن الرفع و غيره.
و يتبين لنا من الحديث أن الرجل كان لا يتم الركوع و السجود و لم يكن يعتدل في رفعه و خفضه لذلك علمه الاعتدال و كيف يقيم صلبه و علمه الاطمئنان و التأني في صلاته.

و هذه الظاهرة موجودة إلى اليوم و خاصة عند العوام و الجهال تراهم ينقرون صلاتهم كنقر الديك لا يقيمون أصلابهم و لا يطمئنون في ركوعهم و سجودهم.
ثم إذا لا حظنا الأئمة الذين رووا الحديث ذكروا الحديث تحت أبواب لا توحي بما ذهبوا إليه المستدلين بعدم مشروعية الرفع.



الدليل الثاني: حديث أذناب الخيل الشمس:


(06) روى الإمام مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبو كريب. قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة؛ قال:

خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال "مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة" قال ثم خرج علينا فرآنا حلقا. فقال "ما لي أراكم عزين؟" قال ثم خرج علينا فقال "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟" فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال "يتمون الصفوف الأول. ويتراصون في الصف".



الحديث أخرجه مسلم في باب الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام، وإتمام الصفوف الأول والتراص فيها والأمر بالاجتماع, و أخرج معه حديثين آخرين خاصين بالنهي الأول مع شيء من التفصيل.

و الحديث أخرجه البخاري في جزئه, و أخرجه النسائي بنحوه عن قتيبة و السراج عن الوليد بن شجاع و أخرجه ابن حبان و غيرهم.

هذا الحديث استدلوا به في أن رفع اليدين في الصلاة منهي عنه مطلقا إذ لم يذكر فيه موضع معين و تجاهلوا أن الإمام مسلم أخرج حديثا آخر بطوله بعد الأول مباشرة ساق الحديث إلى نفس الصحابي جابر بن سمرة رضي الله عنه.



(07) قال فيه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قال: حدثنا وكيع عن مسعر. ح وحدثنا أبو كريب (واللفظ له) قال: أخبرنا ابن أبي زائدة عن مسعر. حدثني عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة؛ قال:
كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم ورحمة الله. وأشار بيده إلى الجانبين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه. ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله".

الحديث أخرجه البخاري في جزئه و الإمام أحمد و الطحاوي و ابن خزيمة و ابن حبان و غيرهم.

و سند الحديث الثاني قوي جدا و متقن إذ لا وجود لمدلس و لا من يوصف بسوء الحفظ بينما الأول فيه مدلسان و منهم رجل مبتدع قيل فيه أنه رأس المرجئة. و هو أبو معاوية, لكن لا نستعمل أسلوب السيابي وغيره في رد الأحاديث الصحيحة ظلما و مكابرة بل نستعمل الأمانة و نتقيد بقواعد علوم الحديث و نقول:
لكن قد تابع شعبة أبا معاوية في الأعمش و صرح الأخير بالسماع من تميم بن طرفة. و هذا السند أخرجه ابن حبان.

(08) و هنالك حديث ثالث رواه مسلم عن القاسم بن زكرياء. قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن فرات (يعني القزاز) عن عبيد الله، عن جابر بن سمرة؛ قال:

صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكنا إذا سلمنا، قلنا بأيدينا: السلام عليكم. السلام عليكم. فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ما شأنكم؟ تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده".



و هذا الحديث أيضا صحيح و سنده لا مطعن فيه


أما أهل الحديث و الفقهاء لم يشكوا في مشروعية رفع اليدين من أجل هذا الحديث بل وقع اختلاف بين من يرى أن الحديث الأول دليل بعدم مشروعية رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه. و بالتالي يقولون بمشروعية رفع اليدين مرة واحدة عند تكبيرة الإحرام, و هذا لا خلاف فيه, و بين الذين لا يرون من ذاك الحديث دليلا في النهي عن رفع اليدين في الموضعين الآخرين و يستدلون بالحديث الثاني بطوله أين اتضح الموضع المنهي عنه و هو الرفع عند التسليم. و يدعمون موقفهم بالأدلة القاطعة من الأحاديث الكثيرة و الصحيحة في مشروعية رفع اليدين في المواضع المختلف عنها.


و من بين أقوال الصنف الأول: إن في الحديث الأول نهي مطلق لمن يرفع يديه أثناء الصلاة حيث قال (في الصلاة) أما الرفع الأول يكون قبل تكبيرة الإحرام ثم ينتهي عندها فهذا في بداية الدخول إلى الصلاة و هذا الرفع لا خلاف فيه بين المسلمين, و كذلك الرفع عند التسليم حيث يكون مباشرة مع التسليم إذ هي الخروج من الصلاة.
فالأولى عند الدخول إلى الصلاة و الثانية عند الخروج منها يعني ليستا في الصلاة, فيحتمل أن يكون الحديث هذا ليس نفسه الموالي الذي صرح بالنهي الثاني وهو الرفع عند التسليم, و هذا مما يدل أن الرفع عند تكبيرة الإحرام مشروع باتفاق الأمة (قلت و هناك من قال سنة) أما غير ذلك من الرفع فهو منهي عنه أو منسوخ.


و قد رد الفقهاء و علماء الحديث لمثل هذه الأقوال, قال البخاري: فأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه ... فذكر الحديث, فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام كان يسلم بعضهم على بعض فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الأيدي في التشهد ولا يحتج بهذا من له حظ من العلم هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه ولو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة وأيضا تكبيرات صلاة العيد منهيا عنها لأنه لم يستثن رفعا دون رفع.

و قال أيضا: وقد ثبت حديث حدثناه أبو نعيم حدثنا مسعر عن عبيد الله بن القبطية قال سمعت جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما... فذكر الحديث الموالي, قال البخاري فليحذر امرؤ أن يتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل قال الله عز وجل (( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)).

و قال ابن حبان: ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع ثم رواه كنحو رواية مسلم.

و قال ابن عبد البر: وقد احتج بعض المتأخرين للكوفيين ومن ذهب مذهبهم في رفع اليدين بما حدثنا أحمد بن محمد و ساق إسناده إلى جابر بن سمرة فذكر الحديث الأول و قال:
وهذا لا حجة فيه لأن الذي نهاهم عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير الذي كان يفعله لأنه محال أن ينهاهم عما سن لهم وإنما رأى أقواما يعبثون بأيديهم ويرفعونها في غير مواضع الرفع فنهاهم عن ذلك.
وكان في العرب القادمين والأعراب من لا يعرف حدود دينه في الصلاة وغيرها وبعث ـ صلى الله عليه وسلم ـ معلما فلما رآهم يعبثون بأيديهم في الصلاة نهاهم وأمرهم بالسكون فيها وليس هذا من هذا الباب في شيء والله أعلم اهـ.
قلت و الكوفيون هم الذين تفردوا عن غيرهم من أهل الأمصار في الاقتصار برفع اليدين في تكبيرة الإحرام.




و قال ابن حجر في التلخيص بعد ما ذكر حديث مسلم الأول: ولا دليل فيه على منع الرفع على الهيئة المخصوصة في الموضع المخصوص وهو الركوع والرفع منه لأنه مختصر من حديث طويل وبيان ذلك أن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة قال فذكر حديثه الثاني و قال: وفي رواية إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيديه ثم نقل عن البخاري قائلا: من احتج بحديث جابر بن سمرة على منع الرفع عند الركوع فليس له حظ من العلم هذا مشهور لا خلاف فيه إنه إنما كان في حال التشهد.


و قد اعترض الزيلعي على البخاري و قال: بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر المذكور ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين فقال:

وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة بن جابر بن سمرة، فذكر حديثه المختصر وقال: وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام، ففسره رواية عبيد الله بن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثه الطويل المذكور ثم قال البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضاً منهياً عنه لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع بل اطلق انتهى.( قلت لم ينقل ذكر الرفع في تكبيرة الإحرام لأنهم كانوا متفقين كلهم على مشروعيتها أو ثبوت فعلها الدائم عن الرسول عليه الصلاة و السلام)

و أجاب الزيلعي: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما الاَخر كما جاء في لفظ الحديث الأول: اسكنوا في الصلاة. والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له اسكن في الصلاة إنما يقال ذلك لمن رفع يديه في أثناء الصلاة هو حالة الركوع والسجود ونحو ذلك، هذا هو الظاهر والراوي روى هذا في وقت كما شاهده وروى الاَخر في وقت آخر كما شاهده، وليس في ذلك بعد.

ورد عليه صاحب التحفة و قال: لم يجب الزيلعي عن قول البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضاً منهياً عنه. فما هو جوابه عنه فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع والرفع منه وأما قوله والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له اسكن في الصلاة فهو ممنوع بل الذي يرفع يديه قبل الفراغ والانصراف من الصلاة وإن كان حال التسليم الأول والثاني،



فما لم يفرغ من التسليم الثاني هو في الصلاة ألا ترى أن عبد الله بن الزبير رأى رجلاً رافعاً يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته فلما فرغ منها قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته رواه الطبراني ورجاله ثقات فتفكر.اهـ

قلت أن صاحب التحفة المباركفوري رد على الزيلعي الذي اعترض البخاري و لم يجب عنه في مسألة الرفع في تكبيرات العيد و اقتصر المباركفوري بذكر هذا النوع من الرفع و لم يذكر النوع الأول الذي ذكره البخاري و هو الرفع عند تكبيرة الإحرام.
و الجواب أنهم لم يختلفوا فيه أبدا و إنما الخلاف الصريح هو في الرفع عند الركوع و الرفع منه فتنبه و تدبر هذه الكلمات, ثم لو قال صاحب التحفة أن الزيلعي لم يجب على البخاري في المثالين سواء لكانت الحجة أقوى و الله أعلم.

فكما ترى فإن هذا الحديث فيه اختلاف بين الذي يرفع عند تكبيرة الإحرام فقط و الذي يرفع في المواضع الأخرى فلا خطر على بالهم أن هذا الحديث يدل على عدم مشروعية الرفع إطلاقا.

و قال الشوكاني في نيل الأوطار:
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد . قَالَ فذكر حديث الخيل الشمس الأول عند مسلم ثم قال: وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فَإِنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قال فذكر حديثه الثاني و قال:
وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ قَصْرٌ لِلْعَامِّ عَلَى السَّبَبِ وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَهَذَا الرَّدُّ مُتَّجَهٌ لَوْلَا أَنَّ الرَّفْعَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُبُوتًا مُتَوَاتِرًا كَمَا تَقَدَّمَ وَأَقَلُّ أَحْوَالِ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنْ تَصْلُحَ لِجَعْلِهَا قَرِينَةً لِقَصْرِ ذَلِكَ الْعَامِّ عَلَى السَّبَبِ, أَوْ لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ الْعُمُومِ عَلَى تَسْلِيمِ عَدَمِ الْقَصْرِ.
وَرُبَّمَا نَازَعَ فِي هَذَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ : قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّهُ إذَا جُهِلَ تَارِيخُ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ اُطُّرِحَا ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ لَا يُجْمِعُونَ إلَّا عَلَى أَمْرٍ فَارَقُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ** أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ ، وَعِنْدَ الِاعْتِدَالِ ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ صَلَاتُهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى } .
وَأَيْضًا الْمُتَقَرِّرُ فِي الْأُصُولِ بِأَنَّ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ إذَا جُهِلَ تَارِيخُهُمَا وَجَبَ الْبِنَاءُ ، وَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِ. اهـ

فحق علينا أن نقول للذين أنكروا الرفع في الركوع و الرفع منه كما قال لهم جبل العلم و إمام الدنيا: لا حظ لهم من العلم و أما الإباضية و غيرهم الذين أنكروا الرفع إطلاقا فنقول لهم لستم أهلا لهذا العلم إطلاقا, و إنما تمجمجون و تجعجعون دون أدنى دليل إلا الشبهات فها هو ابن حجر في الفتح و غيره لم يعطوا قيمة لقول الزيدية الذين خالفوا الأمة قاطبة و أنكروا الرفع إطلاقا حيث قال:


و أسلم العبارات قول بن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة.
وقال بن عبد البر كل من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي قلت ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة يأثم تاركه, وأما قول النووي في شرح المهذب أجمعوا على استحبابه ونقله بن المنذر, ونقل العبدري عن الزيدية أنه لا يرفع ولا يعتد بخلافهم .اهـ

فأين كنا نحن في كل هذا؟ لماذا لم يرد ذكرنا و ذكر أقوال أئمتنا عندهم؟ فربما صح من قال أن الإباضية يصنفون كتبا و مجلدات في الفقه و غيره و يتدارسونها في ما بينهم و يخفونها عن غيرهم فسبحان الله لما كل هذا التخفي؟
فهذه المقولة شائعة عند كبار قومنا فقد سالت أحد الأئمة المحافظين عن هذه القضية قال: إننا أخفيناها منذ عهد الكتمان خفية من غيرنا و خاصة من العبيديين فقلت و بعد العبيديين؟ فاشار برأسه نعم قلت لكن و لماذا لم تخف علوم أهل السنة المعروفة و هي من أعداء العبيديين؟ و لماذا التخفي بعد عهد العبيديين إن كنا حقا على صواب؟
فإن كنا على حق و ندرك تمام اليقين أن علمنا هو الأصح و الأحق لا بد لنشره مهما كلف الأمر و لا يجوز لنا إخفاء الحق على الغير إن كنا نراهم على ضلال.
ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ( من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)

و هاهو ابن خلدون عارف أخبار البربر قال في تاريخه: ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باقٍ لهذا العهد في قصور ربع وَوَادِيْه وفي مغراوة من شعوب زناتة يُسَمّون الراهبيّة؛ نسبة إلى عبد الله بن وهب الراهبي،( قلت و الصواب الراسبي) أوّل من بويع منهم أيام علي بن أبي طالب. وهم في قصور هنالك؛
وكذلك في جبال طرابلس وزناتة أثر باقٍ ... يَدِيْن بها أولئك البربر في المجاوِرة لهم مثل ذلك، وتطير إلينا هذا العهدَ من تلك البلاد دواوين ومجلّدات من كلامهم في فقه الدين، وتمهيد عقائده وفروعه، مباينةٌ ِلمناحي السُّنَّة وطرقِها بالكُلّيّة، إلا أنها ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب، وبناء الفروع على أصولهم. اهـ

فالتخفي إلى هذه الدرجة يثير الريب في أنفس العقلاء حتى أننا لا ذكر لنا في أي عهد من العهود عند غيرنا المعتمدين لدى غالبية الأمة الإسلامية.
فكيف سيؤمن بنا غيرنا في هذا الزمن إن ذكرنا لهم أئمتنا و هي كانت في طي الكتمان حتى اختلط الواقع بالخيال فلم نستطع حتى نحن أهل القوم أن نصدق حقيقة تاريخنا و تاريخ أئمتنا الأوائل,

و يزيد النفور من هذا كله المنهج العجيب الذي ينتهجه شيوخ قومنا المعاصرين في محاولة إثبات التاريخ و وجود هؤلاء الأئمة و لو بالتلبيس و التدليس و لدي عودة لهذا الموضوع بعد قليل.


لكن و رغم كل هذا فالرفع ثابت عند أوائل القوم وعلى حسب ما درست و ما كان يقول بعض أئمة الإباضية أن الأوائل كانوا يرفعون و يؤيد ذلك ما وجدت في أحد أقدم مراجع الإباضية في ثبوت الرفع و القبض عندهم حيث تبين لي أن الإباضية الأوائل كانوا فعلا يرفعون.
ففي المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني بترتيب محمد بن يوسف اطفيش وجدت أدلة فقهية تعارض ما يعملون به الآن كالرفع و القبض و قول الصلاة خير من النوم و وجدت أكثر من هذا في المدونة وفي غيرها سأخصص موضوعا آخر للتفصيل إن شاء الله.
ففي الجزء الأول صفحة 60 من طبعة التراث في عمان و صفحة 65 من طبعة دار اليقظة في لبنان يقول أبو غانم: عن سعد بن أبي وقاص و ابن عمر أن من السنة أن يستقبل المصلي القبلة بكفيه, و السنة ما ذكروا فإن لم يفعل ذلك فلا شيء عليه و لا إعادة.
و قال قبل هذا: ذكروا أن ابن مسعود رأى رجلا خالف بكيفه عن القبلة و قال لو أن عندي حجرا أوجعت به يديك حيث لا تستقبل بهما القبلة. قلت و يؤيد ذلك حديث ابن عمر الذي كان يحصب من لا يرفع يديه.

فصدق من قال أنها مسألة سياسية تمييزية, فيؤيد ذلك ما ذكر في كتاب السير و الجوابات لملوك و علماء عمان ورد ضمن سيرة الشيخ أبي الحسن في باب ما يوجب البراءة جاء فيها:
"قلت فإن رفع اليدين في الصلاة و سلم تسليمتين و قرأ الحمد و سورة في صلاة الظهر و العصر, هل يبرأ منه؟"
"قال: لا إلا أن هذه علامة بين أهل الدعوة و من خالفهم". أنظر صفحة 172 من الجزء الثاني.

و حتى الزيدية الذي لا يرفعون فإن الأوائل منهم كانوا يرفعون, ذكر الشوكاني في نيل الأوطار عقب قوله بنقل العبدري بخصوص الزيدية الذين قالوا بعدم جواز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام و لا عند غيرها فقال:
و هو غلط على الزيدية فإنما إمامهم زيد بن علي ذكر في كتابه المشهور بالمجموع حديث الرفع و قال باستحبابه و كذا أكابر أئمتهم المتقدمين و المتأخرين صرحوا باستحبابه و لم يقل بتركه منهم إلا الهادي يحي بن الحسين. و روي مثل قوله عن جده القاسم بن إبراهيم و روي عنه أيضا القول باستحبابه. اهـ


و لا بأس أن نواصل مع أدلة القائلين بعدم مشروعية الرفع:

ــ روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن رسول الله صل الله عليه و سلم قال: كأني بقوم من بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس.

هذا الحديث جاء ذكره في مسند الربيع ابن حبيب بهذا اللفظ و هو منكر جدا تفرد به هذا المسند مع مجموعة من المناكير و الغرائب!

و الإشكال الكبير الذي حير الناس أن هذا المسند بمصنفه لم يرد ذكره عند علماء الحديث الحفاظ و لا عند علماء الجرح و التعديل من المتقدمين و المتأخرين, مع كونه مدون في القرون المبكرة جدا و في مدينة البصرة بين ثلة من الحفاظ و النقاد.

و شيخ المصنف أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مجهول و لم يرد ذكره مع تلامذة جابر بن زيد رغم شهرة هذا الأخير و شهرة حلقه و تلامذته,
فالحق يجب أن يقال يا إخوتي و لا تنفعلون و تغلبكم العاطفة لأننا أمام السنة النبوية و هي أقوال و أفعال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ هي وحي من السماء كما قال تعالى :((و ما ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى))


فأجهدت نفسي سنين طويلة في البحث و غلبتني العاطفة في الأول لكن مهما كان الأمر فالحق أمام كل شيء و للحديث قواعد و أسس و ضوابط و حاولت أن أوافق بين أحاديث المسند و ما هو متفق على صحته في غيره لكن دون جدوى.
فالألفاظ فيه جد منكرة و غريبة بل هنالك أحاديث حكم عليها بالوضع وجدتها في المسند و شيوخ الربيع هذا بين مجاهيل و متروكين و حتى زنادقة! أما الثقات منهم فقليل ما هم,
فرجال كتب الحديث الأخرى كلها مترجمة بين الثقة و الصدوق و الضعيف و المتروك و المجهول و الكذاب و الزنديق.
فأول عقبة لقبول هذا المسند هو جهالة مصنفه و شيخه, يا إخواني كونوا موضوعيين و لا تنجروا إلى أكاذيب و ضلالات من يحاول طمس الحقيقة بالخيال و يحاول أن يطعن في ما هو واضح صحيح و يدعوا بدله إلى قبول ما هو غامض و مجهول لم يرد ذكره في عصره و لو بحرف ذما كان أو مدحا, ثم يلقون اللوم إلى السياسة أنذاك و ظلم أهل الحديث و غير ذلك, و هذا خطأ فأهل الحديث وثقوا الكثير من الرجال الذين يرونهم مبتدعين و غير سنيين فهذا أبو معاوية رغم أنه يدلس و رأس المرجئة و وصفه البعض بالخبيث لكن قالوا أما حديثه فيأخذ و الأمثلة كثيرة و البعض يصفوهم بالتشيع لكن يوثقونهم في الحديث و الأمثلة كثيرة.

فمهما انتهجوا سياسية الكتمان التي دعا إليها أبو بلال مرداس بن حدير فلا يمكن أن يختفي أثرهم على النقاد و الحفاظ إلى هذه الدرجة, و قد ذكرنا أقوال ابن خلدون التي تبين أن القوم رغم تخفيهم الشديد إلا أن مجلداتهم و مدوناتهم تصل إلى غيرهم بأي طريقة كانت, فكيف بالعهود الأولى و ما بعدها؟
فإن شككتم في أهل الحديث الذين هم علماء الحديث و علماء الجرح والتعديل و رفضناهم فنستطيع أن نقول ضيعنا مصدر التشريع الثاني المتمم في الإسلام الذي بدونه لا يتم ديننا لكن هذا مجرد تخمين لأن الله يأبى إلا أن يتم نوره و يحفظ كتابه و سنة نبيه مصداقا لوعده في كتابه الكريم.

فلما قال تعالى ((اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا)) فهو تعالى يقصد القرآن الكريم و السنة الطاهرة و من قال غير ذلك فقد أخطأ لأننا إذا قلنا إلا القرآن نقول له: علمنا الصلاة أركانها و فرائضها من السنة, التي بدونها لا ننج أنفسنا يوم القيامة؟ و الأمثلة كثيرة.

فالله تعالى أمرنا بطاعته و طاعة رسوله في غير ما آية و أكد لنا أن طاعة الله تكمن في طاعة رسوله((وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ))و محبة الله إنما تتحقق في اتباع رسوله (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم))
((مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)) و قال تعالى ((وما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا)) و قال تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)) و قال تعالى (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر)) و الآيات كثيرة و لله الحمد.
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ألا إني أوتيت القرآن و مثله معه) يعني سنته الطاهرة و الأحاديث كثيرة نصت على كلام الله و كلام رسوله و اتباعه و منها قوله عليه الصلاة و السلام: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله) و قال ( عليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجد)
و أئمة الحديث الجهابذة النقاد خلقهم الله للحفاظ على سنة نبيه و قد كانوا في كل عصر يدافعون عن سنته من كذب الكذابين و الزنادقة و بعضه بالغ في التشدد كشعبة و يحي بن سعيد القطان و بن معين و أبو حاتم و وصفوا بالحفاظ المتقنين الذين يتتبعون الحديث من مصادرها من مدينة إلى أخرى ونيتهم هي تنقية السنة قدر الامكان فكيف بأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي كان على مقربة منهم و لازم جابرا مع كون الأخير معروف و تلامذته أصبحوا أئمة بعده و اتصف بالبطولات التي لا تدع أدنى شك في معرفته و والله لو ذكر و لو بسبيل الذم لكان هنالك كلاما آخر.

أما تلميذه الربيع ابن حبيب الأزدي الفراهيدي الذي صنف كتابا كاملا خفي عن ابن معين الذي يتتبع المصنفين و يكتب حتى الأحاديث الموضوعة من كتبهم لكي يحذر الناس منها و حتى لا يستطيع أحد أن يسرقها و يعيد ذكرها بسند آخر, و المشكل المحير أنه كان في البصرة أشهر مدينة في مجال الحديث و اشتهر بإمامته وبطولاته الكبيرة عند القوم و مع ذلك لم يرد ذكره عندهم.
و الأدهى و الأمر من كل هذا أن محاولات أئمة الإباضية المعاصرين أن يثبتوا للأمة وجودهما في كتب الجرح و التعديل و كتب تراجم الرجال و لو بالتلبيس و التدليس و الكذب نسأل الله السلامة و ترك الهوى.
لذا لا يسوغ لنا أن نقبل الحديث من الطرق المجهولة و الغامضة و لو كان هذا مساسا لأعمدة مذهبنا و نتقي الله في أنفسنا لأننا أمام شرع أكد عليه ربنا تعالى من فوق سبع سماوات و يجب علينا أن نتعلم أن مذهبنا الأصح و الأقوم هو مذهب رسول الله صل الله عليه و سلم, و ليس مذهب فلان و مذهب فلان و نتبعه بإيجابياته و سلبياته,
ثم لا نطعن في ما هو واضح لا شك في صحته و لا نخدع أنفسنا بعاطفتنا و بالتعصب الأعمى, فالله تعالى يعلم ما تخفي الصدور و الحمد لله على هذا.

ثم إن الحديث نسب إلى ابن عباس و هذا تفرد عجيب جدا إذ ثبت عن ابن عباس بالأسانيد الصحيحة أنه رفع يديه في المواضع الثلاثة و نقلها أجل تلامذته منهم طاوس و عطاء و أبو جمرة و غيرهم.
و بالتالي فإن هذا الحديث خالف غيره في سنده المساق إلى الصحابي الراوي فقد اتفقت كل الروايات المعروفة أن الراوي هو جابر بن سمرة و ليس ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
و القاعدة عند علماء مصطلح الحديث هو نسف هذا الحديث المنكر و الشاذ بل نسف كل المسند لعدة أوجه: ذكرت بعضها آنفا و غيرها الآتية:

ـ اللفظ المنكر و الشاذ الذي خالف الصحيح.
ـ كثرة الأحاديث بالألفاظ المنكرة في المسند و التي تخالف ألفاظ الأحاديث الصحيحة الثابتة حتى أصبحت مضادة لها و الأمثلة كثيرة.
ـ كثرة الموضوعات فيه التي تشتم فيه رائحة نصرة المذهب.
ـ أغلب شيوخ المصنف متهمين بين زنديق و كذاب ومتروك و مجهول و ضعيف.
ـ هذا و إن درسنا علل الأسانيد و المتون بكل جوانبه لاكتشفنا الفجوات و الفجوات.



الدليل الثالث: حديث من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له

ــ أخرجه ابن الجوزي بسنده عن مأمون بن أحمد السلمي قال حدثنا المسيب بن واضح ، عن ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة - مرفوعا : من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له.

أخرجه ابن حبان في كتاب المجروحين و أخرجه ابن الجوزي و جعله في جملة الموضوعات, و أخرجه الجوزقاني في كتابه الأباطيل و المناكير و الحديث ذكره الإمام الذهبي في كتابه تلخيص الموضوعات و ذكره أيضا في كتابه ميزان الاعتدال و الشوكاني في مختصر كتاب الموضوعات و عزاه للجوزقاني.

و هذا الحديث ذكره الشيخ الحارثي في كتابه العقود الفضية و جعله حجة لمنع الرفع, و ذكره الشيخ أبو نصر العتبي في كتابه (لفت الانتباه إلى تحقيق أحاديث الرفع و الضم في الصلاة) المطبوع من قبل مكتبة الاستقامة بسلطنة عمان و الذي انتشر بكثرة في أوساط وادي مزاب
و كذا ذكره الشيخ ابن سعود السيابي في كتابه (الرفع و الضم في الصلاة).

هذا الحديث المرفوع دافع عنه السيابي و العتبي وغيرهما أشد الدفاع و تهجموا على ابن الجوزي و اتهموه بتسرعه للوضع و قال العتبي بأن ابن الجوزي جرح حديث أبي هريرة و حديث أنس المرفوعين و قال أنه أعظم التجني عليهما كعادته فيما خالفه مذهبه و اتهمه بأنه قليل العلم و متهور و أنه ليس هو الميزان و نسب لعلماء السنة أقوالا تقدح في الإمام ابن الجوزي رحمه الله.

و في الأخير ذكر الحديثين المنسوبين الأول إلى أبي هريرة و الثاني إلى أنس الذي سيأتي, و أكد أنهما ثابتين و لا مطعن فيهما.

و أما السيابي فنسب كلاما للإمام الشوكاني هو بريء منه وأوهم الناس أن الشوكاني قال أنه لا عبرة لموضوعات ابن الجوزي و لبس هذا الكلام مع تعليق الشوكاني لهذا الحديث و سأذكر كلمة الشوكاني لهذا الباب ليتضح للقارئ مدى خطورة هؤلاء الأئمة لمتتبعيهم. فإليكم كلام الشوكاني كاملا غير مبتور لكي تعلموا ضلالات هذا الذي يصف نفسه بالشيخ و يصفونه بالإمام و القدوة ثم بعد ذلك ندرس سند هذا الحديث؛



و إليكم أولا نص السيابي كاملا لكي يعلم الكل كذبه على الشوكاني و مغزى فعلته هذه, و النص موجود في كتابه الرفع والضم في الصلاة طبعة الوزارة العمانية سنة 1405 للهجرة صفحة 13ـ 12 قال:
و لعل قائلا يقول أنه لا دليل على عدم الرفع والضم فالجواب على ذلك:
1ـ حديث المسيئ صلاته و هو حجة في كيفية الصلاة باتفاق.
2ـ إن عدم الرفع و الضم هو الأصل, و الأصل يحتاج في إثباته إلى دليل, و إنما الدليل يكون على شيء زائد على الأصل.
3ـ إن القول بعدم الرفع و الضم فيه استصحاب حال الأصل, و استصحاب حال الأدلة الأصولية التي تتقرر بها الأحكام و العبادات.
4ـ ذكر الشوكاني في نيل الأوطار حديثا عن أبي هريرة مرفوعا " من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له" و قال, و قد جعله ابن الجوزي من جملة الموضوعات, على أنه قيل أن ابن الجوزي يتسرع بالوضع و قالوا أنه لا عبرة بموضوعاته, أي حكمه بالوضع. اهـ

قلت أما أجوبته كلها فقيرة و لا وزن لها أمام الأدلة القوية و الكثيرة في الباب, و النقطة الرابعة نسبها إلى الشوكاني فإليك مقالة الشوكاني كاملة:


قال الشوكاني في كتابه نيل الأوطار: وَرُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمَدْخَلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ : ** مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ } وَرُبَّمَا رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَنَسٍ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّ الْحَاكِمَ قَالَ بَعْدَ إخْرَاجِ حَدِيثِ أَنَسٍ : إنَّهُ مَوْضُوعٌ . وَقَدْ قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ : إنَّ فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدَ بْنَ عُكَاشَةَ الْكَرْمَانِيُّ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يَضَعُ الْحَدِيثَ ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ جَعَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْضُوعَاتِ, وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مَحِلِّ الرَّفْعِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ هَلْ يَكُونُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا أَوْ مُقَارِنًا لَهَا... اهـ ج02 صفحة 183

أما الآن ندرس سند هذا الحديث؛

ـ في هذا السند مأمون بن أحمد السلمي الهروي:

قال فيه ابن حبان: دجال من الدجالين, ويقال له مأمون بن عبد الله, و قال: سألته متى دخلت الشام ؟ قال : سنة خمسين ومائتين . قلت: فإن هشاما الذي تروى عنه مات سنة خمس وأربعين ومائتين، فقال : هذا هشام بن عمار آخر.
و قال فيه ابن الجوزي إنه كان كذابا.
قال فيه الذهبي: أتى بطامات وفضائح.
و قال أيضا عن ابن حبان: و مما وضع على الثقات أنه روى عن عبد الله بن مالك بن سليمان ، عن سفيان ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس مرفوعا: الايمان قول والعمل شرائعه.
وروى عن المسيب بن واضح ، عن ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة مرفوعا : من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له.
وروى عن الثقات مرفوعا: من قرأ خلف الإمام ملئ فوه نارا.
وروى عن أحمد بن عبد الله ، عن عبد الله بن معدان الازدي ، عن أنس مرفوعا : يكون في أمتى رجل ، يقال له محمد بن إدريس . . . الحديث, و إنما ذكرته ليعرف كذبه ، لان الأحداث كتبوا عنه بخراسان.اهـ
و ذكره الحاكم في كتابه المدخل في قسم: الجماعة التي وضعت الحديث في الوقت لحاجتهم.
قال الحاكم: وقيل لمأمون بن عبد الله بن أحمد الهروي ألا ترى إلى الشافعي وإلى من تبع له بخراسان, فقال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس ، ويكون رجل من أمتي يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي ).
و قال ابن الجوزي: و ما أبله من وضع هذه الأحاديث الباطلة ليقاوم بها الأحاديث الصحيحة (يقصد أحاديث الرفع)

فانظر سيرة هذا الدجال الذي دافع عنه شيوخ الإباضية أشد الدفاع حتى أن أبصارهم عميت و تجاهلوا بما أتى به هذا الدجال من طامات و فضائح كما قال الذهبي, لكن الهوى يعمى الأبصار.

ثم من ينتبه أكثر يجد أن السند نسبه ذلك الدجال إلى الزهري عن سعيد عن أبي هريرة و الزهري هو نفسه الذي تهجموا عليه و ألصقوا عليه تهما باطلة و اقتدوا بالمستشرق اليهودي جولدزهير في كلامه فيه,

أما هنا دافعوا عنه دون أن يشعروا فسبحان الله من صنيعهم مهما حاولوا التملص و التلبيس فالله دائما يكشف و يزهق الباطل و هذه المرة كشفوا أنفسهم بأنفسهم و هدموا ما بنوه و ما بنوا أسلافهم على هذا الإمام الكريم ابن شهاب الزهري.


الدليل الخامس:


ــ روى أبو عبد الله الحاكمفي المدخل عن محمد بن عكاشة الكرماني أنه قيل له: إن عندنا قوما يرفعون أيديهم في الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع فقال : حدثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس مرفوعا قال: ( من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له ).


قال الحاكم عقب ذكره لهذا الحديث: وكل من رزق الفهم في نوع من العلم و تأمل هذه الأحاديث علم أنها موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ــ و أخرج ابن الجوزي الحديث بلفظ آخر عنمحمد بن عكاشة الكرماني قال حدثنا المسيب بن واضح حدثنا عبيد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس مرفوعا قال: " من رفع يديه في التكبير فلا صلاة له "



و قال ابن الجوزي:وقد رواه محمد بن عكاشة عن المسيب مرة أخرى فقال فيه : " من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له ". فنقل عقبها رواية أبي عبد الله الحاكم التي ذكرناها آنفا.



الحديث أخرجه الجوزقاني في كتابه الأباطيل و المناكير, و أخرجه الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات و ابن حجر في اللسان و الشوكاني في مختصر الموضوعات و أخرجه غيرهم.



و هذا الحديث ذكره أيضا العتبي و غيره من شيوخ الإباضية و دافعوا عنه كما دافعوا عن حديث مأمون السلمي المتقدم.



قال الذهبي لما ذكر حديث مأمون المتقدم: الحديث وضعه مأمون بن أحمد على ثقات و سرقه محمد بن عكاشة الكرماني. قلت و حدث به في عدة مناسبات و بعدة ألفاظ.



قال فيه الدارقطني: يضع الحديث.


وذكره الحاكم في أقسام الضعفاء فقال ومنهم جماعة وضعوا كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الأعمال مثل أبي عصمة ومحمد بن عكاشة الكرماني.


و نقل عن سهل بن السري الحافظ انه كان يقول وضع أحمد الجويباري ومحمد بن تميم ومحمد بن عكاشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة آلاف حديث.


و قال الذهبي: كذاب.


و كذا قال فيه الحافظ ابن حجر.



و ما أجمل ما قال فيه ابن حجر: فقد ذكر الحاكم فقال بلغني انه كان ممن يضع الحديث حسبة فقيل له إن قوما يرفعون أيديهم في الركوع وعند الرفع منه فقال حدثنا المسيب بن واضح قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا قال: من رفع يديه إلى الركوع فلا صلاة له فهذا مع كونه كذبا من أنجس الكذب فإن الرواية عن الزهري بهذا السند بالغه مبلغ القطع بإثبات الرفع عند الركوع وعند الإعتدال وهي في الموطأ وسائر كتب أهل الحديث والأمر فيها أسهل من أن يستدل له.



وقد أخرج ابن حجر بعضا من أكاذيبه و مناكيره الظاهرة البطلان.



فالعجب كل العجب أن يتشبث من يوصفون بأهل الحق و الاستقامة و الورع بمثل هذه الأحاديث التي يرويها زنادقة و كذابين مثل الذين ذكرا آنفا.



ثم هنا سؤال: هل فعلا تسرع ابن الجوزي في وضع الحديثين؟ و هل يستحق كل هذا الهجوم؟ نسأل الله أن يجنبنا الهوى و التعصب الأعمى للمذهب.



الدليل السادس:



ــ أخرج الشيخ أبو نصر العتبي حديثا رواه محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: صليت مع النبي صلى الله عليه و سلم و أبي بكر و عمر فلم يرفعوا أيديهم.



الحديث بهذا اللفظ عزاه للدارقطني و البيهقي و ابن عدي, لكن لما رجعنا إلى الأصل لم نجد الحديث مذكورا عندهم بهذا اللفظ!



(09) أما الحديث الذي أخرجه الدارقطني رواه عن أبي عثمان سعيد بن محمد بن أحمد الحناط وعبد الوهاب بن عيسى بن أبي حية قالا : نا إسحاق بن أبي إسرائيل نا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر رضى الله تعالى عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلا عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة , قال إسحاق به نأخذ في الصلاة كلها.


قال الدارقطني عقب الحديث مباشرة: تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفا عن حماد عن إبراهيم وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب.




(10) و أخرج البيهقي عن شيخه قال:ورواه محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة.



و رواه أيضا عن أبي عبد الله الحافظ ثنا محمد بن صالح بن هاني ثنا إبراهيم بن محمد بن مخلد الضرير ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا محمد بن جابر فذكره,


وقال عقب ذلك: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه قال: قال علي بن عمر الحافظ تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفا عن حماد عن إبراهيم وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب.



(11) و أخرج ابن عدي الحديث عن إسحاق بن إبراهيم ثنا لوين إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة


ثم قال بعد ذلك: وهذا لم يوصله عن حماد غير محمد بن جابر ورواه غيره عن حماد عن إبراهيم عن عبد الله ولم يجعل بينهما علقمة.



أولا لا داعي لذكر أقوال أئمة الجرح و التعديل في محمد بن جابر لأنه ليس موضعه البتة.



لكن ما يهمنا هنا هو صنيع العتبي في بتر نص من هذا الحديث, فلم يستحي من الله حتى تجرأ على التلاعب بحديث مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه و سلم بغض النظر عن صحته أو ضعفه!


فماذا يسميه هذا الفعل؟ تحريف؟ أم خداع القارئ و تضليله؟ أم ماذا يسميه؟


يتبين لنا من هذا الفعل أن الشيخ لم يتورع لدينه و أصبح ساقطا و مجروحا حق على من اكتشف أمره أن يحكم عليه بالكذب و التلبيس و مخادعة القراء, نعوذ بالله من هذه الأعمال القبيحة.



و هذا الفعل الذي يظنه هو و من نصره على علم بصنيعه هين فقد أخطأ خطأ فاحشا لأنه أمر خطير على كل من طالع الكتاب و اقتنع به مع العلم أن هذا الكتاب منتشر في كافة مكاتب الإباضية في وادي مزاب و يقتنيه الكثير من الإباضيين من العوام و المثقفين و غيرهم من لا دراية لهم في علوم الحديث و لا علم لهم بدسائس هؤلاء الشيوخ و كتاباتهم التضليلية في سبيل ثباتهم على مذهبهم!



و العجب أن هؤلاء المساكين يظنون أن شيوخهم لا يكذبون عليهم و حكموا على مسألة الرفع و الضم بالبطلان إثر اقتناعهم بمثل هذه الكتب و حملوا على من يرفعون أيديهم من إخوانهم المزابيين و اتهموهم بالمبتدعة و الضلال,


فهذا الشيخ ربما لا يعلم أنه سيحمل وزر كل من أضله في أي مسألة كانت و سيحاسبه الله حسابا شديدا على كل كلمة باطلة كتبها في كتبه تلبيسا و تدليسا.



فسبحان الذي لا تخفى عنه خافية.




الدليل السابع:



ــ قال الشيخ نور الدين السالمي في شرح الجامع الصحيح: و يمكن أنه صلى الله عليه و سلم رفع لعذر مرة واحدة. كما قيل أنه أراد أن يفضح المنافقين الذين علقوا الأصنام تحت آباطهم فإذا رفعوا أيديهم سقطت أو انكشفت فيفتضحون بذلك فلا يفعلونه مرة أخرى و إن لم يرفعوا افتضحوا بالمخالفة.


قال: و على الحالين فهو زجر لهم.



هكذا يروون عن رسول الله صل الله عليه و سلم بدون سند و لا عزو فإن كان هذا هو الحال عموما فكل من هب و دب يحدث حديثا و ينسبه للرسول صلى الله عليه وسلم. و يزينونها بكلمة: بلغنا أو قال أصحابنا أو قال فلان فيذكر إسمه و يصله بالرسول صلى الله عليه و سلم مباشرة و كأن السنة عندهم مسخرة و لعب.


أما أهل الحديث الذين اعتنوا بالسنة الطاهرة و أفنوا حياتهم في سبيل الدفاع عنها و بالغوا في عنايتهم للسند يتهمون من قبل زنادقة و مبتدعين من غلاة الشيعة و أمثال الكوثري و السقاف و المحرمي و غيرهم فلم يغادروا منهم أحدا و العياذ بالله و كل هذا الهجوم عليهم بسبب حقدهم و بغضهم الكبير و لأجل نصرة نحلهم و رغم هذا تجدهم يستقون من علومهم و يتطفلون كشر الطفيليات الخبيثة و الله المستعان.


فيجب أن ينتبه كل ذي لب من ضلالات هؤلاء الزنادقة و لا يؤمنهم حتى يطلع بنفسه و يعود إلى المصادر ليكتشف التلبيس و التدليس و الكذب على أصحاب المصادر التي أخذوا منها مقالاتهم.


و من الذين أضلوهم رجال بدءوا ينشروا اتهامهم للبخاري فقالوا إنه كذاب معاذ الله من ذلك بل و أسسوا فرقة سموها بالقرآنيين أو التدبريين أو الإحباطيين فلا مجال للسنة عندهم بدعوى أنها غير محفوظة و كثر فيها الوضع و الكذب فبدءوا يفسرون القرآن على هواهم و قد سمعت ثلاثة دروس منهم فلم أسمع كلمة قال رسول الله!


و هم في تزايد ينشرون ضلالاتهم للناس و سأفصل في هذه القضية إن شاء الله.


و عودة إلى رواية السالمي فهي أصلا مضحكة و سخيفة حتى الصبيان لا تدخل في عقولهم !! فسبحان الذي خلق العقول و نوعها.



ــ و هناك رواية أعقل قليلا من الأولى ذكرها الشيخ محمد اطفيش في شامله قال عوض الأصنام الأسلحة, و هذه الرواية السقيمة الموضوعة شائعة في أوساط الإباضية منذ القدم و يستشهدون بها إلى اليوم و إلى الله المشتكي.



الدليل الثامن:



ــ روى الترمذي عن هناد قال حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود:


- "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة".


قال الترمذي حديث ابن مسعود حديث حسن.


أما مناقشة الحديث من حيث صحته أو عدم صحته فليس هنا موضعه لأنه من أدلة القائلين بالرفع في تكبيرة الإحرام فقط.


و إنما ذكرته هنا ليتبين لكم كيف شرحه العتبي المؤيد لرواية الشيخ السالمي السخيفة و المضحكة والتي لا أصل لها, قال العتبي بعد ذكره للحديث:


و ذلك ليريهم كيفية رفع الرسول صلى الله عليه و سلم, عندما تأبط المنافقون الأصنام! يقصد قول الراوي "إلا في أول مرة" فانظر لشرحه العجيب و الساقط, فلو اختار رواية اطفيش لكانت أحسن, لكن هكذا من يمشي بعاطفة تعصبه الأعمى.



و إن ذكرت سخافات العتبي و السيابي و غيرهما في كتبهم لطال البحث, أظن أن هذه هي أدلتهم في عدم رفع الأيدي و هنالك أدلة أخرى ملبسة و مكذوبة على الصحابة و التابعين ربما أذكرها في موضع آخر و أريد أن أختم هذا القسم بمقالة ذكرها العتبي لتعلموا مدى قيمة أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم عندهم و مدى قيمة صحابته رضوان الله عليهم فنجعله دليلا تاسعا لنختم به القسم؛


الدليل التاسع:



ــقال السالمي: و ذكر القطب متعنا الله بحياته فذكر قصة أبي حيان الأندلسي ملبسة ثم قال: و اجتمع أبو حنيفة و الأوزاعي بمكة في دار الخياطين


فقال الأوزاعي: مالكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع و الرفع منه؟


فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه شيء,


فقال: كيف لا يصح؟ و قد حدثني الزهري عن سالم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم و ذكر (الحديث),


فقال أبو حنيفة: و حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة و الأسود عن ابن مسعود, أن النبي كان لا يرفع يديه( فتوقف العتبي هنا و كما أشرنا آنفا الحديث مبتور كذبا منه),


فقال: الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه و تحدثني عن حماد عن إبراهيم,


فقال: حماد أفقه من الزهري, و كان إبراهيم أفقه من سالم, و علقمة ليس بدون ابن عمر!!! و إن كان لابن عمر صحبة فله فضل صحبته, فالأسود له فضل كثير و عبد الله و عبد الله.


ثم قال العتبي و يؤيد ما ذهب إليه أبو حنيفة في هذه المسالة ما ثبت عن أبي هريرة مرفوعا: " من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له" قلت الحديث الذي رواه الدجالين السلمي و الكرماني. ثم أعاد الكرة في تهجمه على ابن الجوزي.



هكذا قيمة ابن عمر رضي الله عنه عند القوم لكن إن لم يسلم نبي الله موسى من طعنهم له و لم يسلم نبي الله يونس عليه السلام من عدم التأدب معه و لم يسلم حتى رسول الله عليه الصلاة و السلام من طعنهم له في ردهم لأحاديثه الصحيحة فكيف يسلم ابن عمر و ابن عمرو و أبو هريرة و ابن سلام و قبلهم عثمان و علي و غيرهم رضي الله عنهم أجمعين.




و أخيرا عذرا للإطالة و إلى القسم الثاني إن شاء الله و الحمد لله رب العامين و صل اللهم على محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


أحيطكم علما إخواني أن هذا البحث خاص بي و بالجمعية التي أنا فيها فمن أخذه للتأليف أو نقله لكتبه فحسبنا الله و نعم الوكيل فيه
فاتقوا الله يا أحبة ...
و من كان له رد علمي أرجوكـــــــــم علمي فليتفضل مشكورا و جزاه الله خيرا.


http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=223855

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )